عرض مشاركة مفردة
قديم 09-11-2018, 11:56 PM
نبيل الكرخي نبيل الكرخي غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 16256

تاريخ التّسجيل: Feb 2005

المشاركات: 27

آخر تواجد: 30-11-2018 08:09 PM

الجنس:

الإقامة:

ج6

ضابطة ترسيخ الوجود الاسلامي في دستور دولة دينية:
هناك نموذجان لدستور جمهورية اسلامية يقودُها الفقيه، لإرساء سيادة الاسلام. الاول هو دستور الجمهورية الاسلامية في ايران. والثاني هو رؤية السيد محمد باقر الصدرفي كتابيه (لمحة فقهية لدستور الجمهورية الاسلامية) والذي كتبه في 6 ربيع الاول 1399هـ الموافق 5 شباط/ فبراير 1979م. وكتابه الآخر هو (خلافة الانسان وشهادة الانبياء) الذي انتهى من كتابته في 15 ربيع الثاني 1399هـ الموافق حوالي 14 آذار/مارس 1979م، اي بُعَيد انتصار الثورة الاسلامية في ايران. والذي نظّمَ فيه العلاقة بين الامة والمرجعية الدينية في عصر الغيبة الكبرى. والكتاب الاخير كأنما شرح ومستند لما جاء في الدستور المقترح في كتابه الاول.
ورغم ان هناك من يرى ان السيد الصدر في كتابيه هذين جاء بنظرية جديدة تجمع بين ولاية الفقيه والشورى، الا ان هذه الرؤية يبدو أنها غير تامة حيث ان الدستور الذي كُتِبَ برعاية السيد الخميني هو مقارب في محاوره وفي رسمه للعلاقة بين الولي الفقيه والامة لما ذهب اليه السيد الصدر في كتابيه هذين.
ورغم ان السيد محمد باقر الصدر كان يذهب الى نظرية (ولاية الفقيه العامة) الفقهية بينما السيد الخميني يذهب الى (ولاية الفقيه المطلقة) العقائدية، وقد عرفتَ الفرق بينهما، إلا ان الدستور الذي كتبه السيد الصدر فيه جوانب مشتركة عديدة مع دستور الجمهورية الاسلامية الذي كُتِبَ تحت رعاية السيد الخميني، في خطوطهما العامة ولاسيما فيما يخص علاقة الفقيه بالحكومة الاسلامية والدولة القائمة.
وما يهمنا من دستور أية جمهورية اسلامية هو العلاقة بين القائد والشعب في سبيل ترسيخ وجود الاسلام في الحياة وصيانته. ونختار نموذج من كلام السيد محمد باقر الصدر الذي يوضح العلاقة بين الامة والمرجع، قال:
(فأُعلِنَ عن الغيبة الكبرى، وبذلك بدأت مرحلة جديدة من خطّ الشهادة تمثّلت في المرجعيّة، وتميّز في هذه المرحلة خطّ الشهادة عن خطّ الخلافة بعد أن كانا مندمجين في شخص النبي أو الإمام؛ وذلك لأنّ هذا الاندماج لا يصحّ إسلامياً إلّا في حالة وجود فرد معصوم قادر على أن يمارس الخطّين معاً، وحين تخلو الساحة من فرد معصوم، فلا يمكن حصر الخطّين في فرد واحد.
فخطّ الشهادة يتحمّل مسؤوليته المرجع، على أساس أنّ المرجعية امتداد للنبوّة والإمامة على هذا الخطّ. وهذه المسؤولية تفرض:
أوّلاً: أن يحافظ المرجع على الشريعة والرسالة، ويردّ عنها كيد الكائدين وشبهات الكافرين والفاسقين.
ثانياً: أن يكون هذا المرجع في بيان أحكام الإسلام ومفاهيمه مجتهداً، ويكون اجتهاده هو المقياس الموضوعي للأمّة من الناحية الإسلامية، وتمتدّ مرجعيته في هذا المجال إلى تحديد الطابع الإسلامي، لا للعناصر الثابتة من التشريع في المجتمع الإسلامي فقط، بل للعناصر المتحرّكة الزمنية أيضاً، باعتباره هو الممثّل الأعلى للأيديولوجية الإسلامية.
ثالثاً: أن يكون مشرفاً ورقيباً على الأمّة، وتفرض هذه الرقابة عليه أن يتدخّل لإعادة الأُمور إلى نصابها إذا انحرفت عن طريقها الصحيح إسلامياً، وتزعزعت المبادئ العامّة لخلافة الإنسان على الأرض.
والمرجع الشهيد معيّن من قبل الله تعالى بالصفات والخصائص؛ أي بالشروط العامّة الموجودة في كلّ الشهداء التي تقدّم ذكرها، ومعيّن من قِبل الأُمّة بالشخص، إذ تقع على الأُمّة مسؤولية الاختيار الواعي له.
وأمّا خطّ الخلافة الذي كان الشهيد المعصوم يمارسه، فما دامت الأُمّة محكومة للطاغوت ومقصية عن حقّها في الخلافة العامّة، فهذا الخط يمارسه المرجع، ويندمج الخطّان حينئذٍ - الخلافة والشهادة - في شخص المرجع. وليس هذا الاندماج متوقّفاً على العصمة؛ لأنّ خطّ الخلافة في هذه الحالة لا يتمثّل عملياً إلّا في نطاق ضيّق، وضمن حدود تصرّفات الأشخاص، وما دام صاحب الحقّ في الخلافة العامّة قاصراً عن ممارسة حقّه نتيجة لنظام جبّار، يتولى المرجع رعاية هذا الحقّ في الحدود الممكنة، ويكون مسؤولاً عن تربية هذا القاصر وقيادة الأُمّة لاجتياز هذا القصور وتسلّم حقّها في الخلافة العامّة.
وأمّا إذا حرّرت الأُمّة نفسها فخطّ الخلافة ينتقل إليها، فهي التي تمارس القيادة السياسية والاجتماعية في الأُمّة بتطبيق أحكام الله وعلى أساس الركائز المتقدّمة للاستخلاف الربّاني.
وتمارس الأُمّة دورها في الخلافة في الإطار التشريعي للقاعدتين القرآنيتين الآتيتين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ... ﴾.
فإنّ النصّ الأوّل يعطي للأُمّة صلاحية ممارسة أمورها عن طريق الشورى، ما لم يرد نصّ خاصّ على خلاف ذلك، والنصّ الثاني يتحدّث عن الولاية، وإنّ كلّ مؤمن ولي الآخرين؛ ويريد بالولاية تولّي أموره، بقرينة تفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه، والنصّ ظاهر في سريان الولاية بين كلّ المؤمنين والمؤمنان بصورة متساوية. وينتج عن ذلك الأخذ بمبدأ الشورى وبرأي الأكثرية عند الاختلاف.
وهكذا وزّع الإسلام في عصر الغيبة مسؤوليّات الخطّين بين المرجع والأُمّة، بين الاجتهاد الشرعي والشورى الزمنية، فلم يشأ أن تمارس الأُمّة خلافتها بدون شهيد يضمن عدم انحرافها ويشرف على سلامة المسيرة ويحدّد لها معالم الطريق من الناحية الإسلامية، ولم يشأ من الناحية الأخرى أن يحصر الخطّين معاً في فرد ما لم يكن هذا الفرد مطلقاً، أي معصوماً.
وبالإمكان أن تستخلص من ذلك: أنّ الإسلام يتّجه إلى توفير بيئة العصمة بالقدر الممكن دائماً، وحيث لا يوجد على الساحة فرد معصوم، بل مرجع شهيد، ولا أمّة قد أنجزت ثورياً بصورة كاملة وأصبحت معصومة في رؤيتها النوعية، بل أمّة لا تزال في أوّل الطريق، لا بدّ أن تشترك المرجعية والأمّة في ممارسة الدور الاجتماعي الربّاني بتوزيع خطّي الخلافة والشهادة وفقاً لما تقدّم.
ومن الضروري أن يلاحظ أنّ المرجع ليس شهيداً على الأمّة فقط، بل هو جزء منها أيضاً، وهو عادة من أوعى أفراد الأمّة وأكثرها عطاءً ونزاهة، وعلى هذا الأساس، وبوصفه جزءاً من الأمّة، يحتلّ موقعاً من الخلافة العامّة للإنسان على الأرض، وله رأيه في المشاكل الزمنية لهذه الخلافة وأوضاعها السياسية بقدر ماله من وجود في الأمّة، وامتداد اجتماعي وسياسي في صفوفها.
وهكذا نعرف أنّ دور المرجع كشهيد على الأمّة دور ربّاني لا يمكن التخلّي عنه، ودوره في إطار الخلافة العامّة للإنسان على الأرض دور بشري اجتماعي يستمدّ قيمته وعمقه من مدى وجود الشخص في الأمّة وثقتها بقيادته الاجتماعية والسياسية)[66].

معالم ترسيخ وجود الاسلام في تحرك السيد الصدر:
واذا راجعنا النداءات الثلاثة الاخيرة التي اطلقها السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه) ابتداءاً من شهر حزيران/ يونيو سنة 1979م وحتى استشهاده في نيسان/ ابريل 1980م، نجد في هذه النداءات الثلاثة ملامح عامة تبين انه استشعر أنَّ الخطر المحدق ينال وجود الاسلام ورسوخه في المجتمع، وهذا هو السبب الذي من اجله تحرك السيد محمد باقر الصدر وضحّى بحياته الشريفة من أجله.
ففي النداء الاول يقول السيد محمد باقر الصدر:
(أنَّ هذا الكبت الذي فُرض بقوّة الحديد والنار على الشعب العراقيّ، فحرمَه من أبسط حقوقه وحرّياته في ممارسة شعائره الدينية لا يمكن أن يستمر، ولا يمكن أنْ يعالج دائماً بالقوّة والقمع. إنّ القوّة لو كانت علاجاً حاسماً دائماً لبقي الفراعنة والجبابرة… أسقطوا الأذان من الإذاعة فصبرنا ! وأسقطوا صلاة الجمعة من الإذاعة فصبرنا! وطوّقوا شعائر الإمام الحسين (عليه السلام) ومنعوا القسم الأعظم منها فصبرنا! وحاصروا المساجد وملأوها أمناً وعيوناً فصبرنا.. وقاموا بحملات الإكراه على الانتماء إلى حزبهم فصبرنا! وقالوا: إنّها فترة انتقال يجب تجنيد الشعب فيها فصبرنا! ولكن إلى متى؟! إلى متى تستمرُّ فترة الانتقال؟! إذا كانت فترة عشر سنين من الحكم لا تكفي لإيجاد الجوّ المناسب لكي يختار الشعب العراقي طريقه؛ فأيّ فترة تنتظرون لذلك؟! وإذا كانت فترة عشر سنين من الحكم المطلق لم تتح لكم – أيّها المسؤولون – إقناع الناس بالانتماء إلى حزبكم إلّا عن طريق الإكراه، فماذا تأملون؟! وإذا كانت السلطة تريد أنْ تعرف الوجه الحقيقي للشعب العراقي فلتجمّد أجهزتها القمعيّة أسبوعاً واحداً فقط، ولْتسمح للناس بأن يعبّروا خلال أسبوع عمّا يريدون. إنّي أطالب باسمكم جميعاً؛ أطالب بإطلاق حريّة الشّعائر الدينيّة، وشعائر الإمام أبي عبد الحسين (عليه السلام). وأطالب باسمكم جميعاً بإعادة الأذان وصلاة الجمعة والشعائر الإسلامية إلى الإذاعة. وأطالب باسمكم جميعاً بإيقاف حملات الإكراه على الانتساب إلى حزب البعث على كلّ المستويات. وأطالب باسم كرامة الإنسان بالإفراج عن المعتقلين بصورة تعسّفية وإيقاف الاعتقال الكيفي الذي يجري بصورة منفصلة عن القضاء. وأخيراً؛ أُطالب باسمكم جميعاً وباسم القيم التي تمثّلونها بفسح المجال للشعب ليمارس بصورة حقيقّية حقّة في تسيير شؤون البلاد، وذلك عن طريق اجراء انتخاب حرٍّ ينبثق عنه مجلس يمثّل الأمّة تمثيلًا صادقاً. وإنّي أعلم أنّ هذه الطلبات سوف تُكلّفني غالياً وقد تكلّفني حياتي، ولكنّ هذه الطلبات ليست طلب فرد ليموت بموته، وإنّما هذه الطلّبات هي مشاعر أمّة وإرادة أمّة ولا يمكن أنْ تموت أمّة تعيش في أعماقها روحُ محمّد وعليّ والصفوة من آل محمّد وأصحابه. وإذا لم تستجب السلطة لهذه الطّلبات، فإنّي أدعو أبناء الشعّب العراقي الأبيّ إلى المواصلة في حمل هذه الطلبات مهما كلّفه ذلك من ثمن لأنّ هذا دفاعٌ عن النفس وعن الكرامة، وعن الإسلام رسالة الله الخالدة، والله وليّ التوفيق).
وفي النداء الثاني يقول:
(يا جماهير العراق المسلمة التي غضبت لدينها وكرامتها ولحريتها وعزّتها، ولكلّ ما آمنت به من قيم ومثل! أيّها الشعب العظيم! إنّكَ تتعرّض اليوم لمحنة هائلة على يد السفّاكين والجزّارين الذين هالهم غضب الشعب وتململ الجماهير بعد أن قيّدوها بسلاسل من الحديد ومن الرّعب والإرهاب، وخيّل للسّفاكين أنّهم بذلك انتزعوا من الجماهير شعورها بالعزّة والكرامة وجرّدوها من صلتها بعقيدتها وبدينها وبمحمّدها العظيم لكي يحولّوا هذه الملايين الشّجاعة المؤمنة من أبناء العراق الأبيّ إلى دمى وآلات يحرّكونها كيف يشاؤون، ويزقّونها ولاء (عفلق) وأمثاله من عملاء التبشير والاستعمار بدلًا من ولاء محمد وعليّ – صلوات الله عليهما -، ولكنّ الجماهير دائماً هي أقوى من الطغاة مهما تفرعن الطغاة، وقد تصبر ولكنّها لا تستسلم، وهكذا فوجئ الطّغاة بأنّ الشعب لا يزال ينبض بالحياة، ولا تزال لديه القدرة على أن يقول كلمته! وهذا هو الذي جعلهم يبادرون إلى القيام بهذه الحملات الهائلة على عشرات الآلاف من المؤمنين والشرفاء من أبناء هذا البلد الكريم، وحملات السجن والاعتقال والتعذيب والإعدام، وفي طليعتهم العلماء المجاهدون الذين يبلغني أنّهم يستشهدون الواحد بعد الآخر تحت سياط التعذيب! وإنّي في الوقت الذي أدرك فيه عمق هذه المحنة التي تمرّ بكَ يا شعبي! يا شعب آبائي وأجدادي- أؤمن بأنّ استشهاد هؤلاء العلماء واستشهاد خيرة شبابك الطاهرين وأبنائك الغيارى تحت سياط العفالقة لن يزيدكَ إلّا صموداً وتصميماً على المضيّ في هذا الطريق، حتّى الشهادة أو النصر! وأنا أعلن لكم – يا أبنائي – أنّي صَمَمّتُ على الشهادة! ولعلّ هذا آخر ما تسمعونه منّي، وإنّ أبواب الجنّة قد فتحت لتستقبل قوافل الشهداء حتّى يكتب الله لكم النّصر! وما ألذّ الشهادة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّها حسنة لا تضرّ معها سيّئة. والشهيد بشهادته يغسل كلّ ذنوبه مهما بلغت. فعلى كلّ مسلم في العراق وعلى كلّ عراقي في خارج العراق أن يعمل كلّ ما بوسعه – ولو كلّفه ذلك حياته – من أجل إدامة الجهاد والنضال لإزالة هذا الكابوس عن صدر العراق الحبيب وتحريره من العصابة اللاإنسانيّة وتوفير حكم صالح فذٍّ شريف يقوم على أساس الإسلام.).
وفي النداء الثالث يقول:
(يا إخواني وأبنائي من أبناء الموصل والبصرة .. من أبناء بغداد وكربلاء والنجف … من أبناء سامرّاء والكاظميّة .. من أبناء العمارة والكوت والسليمانيّة .. من أبناء العراق في كلّ مكان، إنّي أعاهدكم بأنّي لكم جميعاً ومن أجلكم جميعاً، وأنّكم جميعاً هدفي في الحاضر والمستقبل .. فلتتوحّد كلمتكم، ولتتلاحم صفوفكم تحت راية الإسلام، ومن أجل إنقاذ العراق من كابوس هذه الفئة المتسلّطة، وبناء عراق حرّ كريم تغمره عدالة الإسلام وتسوده كرامة الإنسان، ويشعر فيه المواطنون جميعاً – على اختلاف قوميّاتهم ومذاهبهم – بأنّهم إخوة، يساهمون جميعاً في قيادة بلدهم وبناء وطنهم، وتحقيق مثلهم الإسلاميّة العليا المستمدّة من رسالتنا الإسلامية وفجر تاريخنا العظيم).
فالأصل عنده هو ترسيخ وجود الاسلام وسيادته، وبعد ذلك يتم الاتفاق على شكل وطبيعة الحكم من خلال اتبثاق مجلس يمثل الامة.
ويقول السيد محمد باقر الصدر في كتيبه (لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران):
(إن الدولة ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان. وقد نشأت هذه الظاهرة على يد الأنبياء ورسالات السماء، واتخذت صيغتها السوية، ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الإنساني وتوجيهه من خلال ما حققه الأنبياء في هذا المجال من تنظيم اجتماعي قائم على أساس الحق والعدل يستهدف الحفاظ على وحدة البشرية وتطوير نموها في مسارها الصحيح. قال الله تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 213]. ونلاحظ من خلال هذا النص أن الناس كانوا أمة واحدة في مرحلة تسودها الفطرة، وتوحد بينها تصورات بدائية للحياة وهموم محددة وحاجات بسيطة. ثم نمت ـ من خلال الممارسة الاجتماعية للحياة ـ المواهب والقابليات وبرزت الامكانات المتفاوتة واتسعت آفاق النظر وتنوعت التطلعات وتعقدت الحاجات، فنشأ الاختلاف وبدأ التناقض بين القوي والضعيف، وأصبحت الحياة الاجتماعية بحاجة إلى موازين تحدد الحق وتجسد العدل وتضمن استمرار وحدة الناس في إطار سليم، وتصب كل تلك القابليات والامكانات التي نمتها التجربة الاجتماعية في محور ايجابي يعود على الجميع بالخير والرخاء والاستقرار بدلاً عن أن يكون مصدراً للتناقض وأساساً للصراع والاستغلال. وفي المرحلة ظهرت فكرة الدولة على يد الأنبياء وقام الأنبياء بدورهم في بناء الدولة السليمة، ووضع الله تعالى للدولة أسسها وقواعدها كما لاحظنا في الآية الكريمة المتقدمة الذكر. وظل الأنبياء يواصلون بشكل وآخر دورهم العظيم في بناء الدولة الصالحة، وقد تولى عدد كبير منهم الاشراف المباشر على الدولة كداوود وسليمان وغيرهما، وقضى بعض الأنبياء كل حياته وهو يسعى في هذا السبيل كما في حالة موسى (ع)، واستطاع خاتم الأنبياء (ص) أن يتوّج جهود سلفه الطاهر بإقامة أنظف وأطهر دولة في التاريخ شكلت بحق منعطفاً عظيماً في تاريخ الإنسان وجسدت مبادئ الدولة الصالحة تجسيداً كاملاً ورائعاً).
ثم يقول السيد محمد باقر الصدر مؤكداً على رسوخ الاسلام وسيادته عبر التاريخ:
(وعلى الرغم من أن هذه الدولة قد تولاّها في كثير من الأحيان بعد وفاة الرسول الأعظم قادة لا يعيشون أهدافها الحقيقة ورسالتهم العظيمة، فإن الإمامة التي كانت امتداداً روحياً وعقائدياً للنبوة ووريثاً لرسالة السماء مارست باستمرار دورها في محاولة تصحيح مسار هذه الدولة واعادتها إلى طريقها النبوي الصحيح، وقدم الأئمة عليهم السلام في هذا السبيل زخماً هائلاً من التضحيات التي توّجها استشهاد أبي الأحرار وسيد الشهداء أبي عبد الله الحسين مع الصفوة من أهل بيته وأصحابه في يوم عاشوراء. وقد امتدت الإمامة بعد عصر الغيبة في المرجعية، كما كانت الإمامة امتداداً بدورها للنبوة، وتحملت المرجعية أعباء هذه الرسالة العظيمة، وقامت على مر التاريخ بأشكال مختلفة من العمل في هذا السبيل أو التمهيد له بطريقة وأخرى. وقد عاش العالم المسلم الشيعي دائماً مع كل الصالحين وكل المستضعفين من أبناء هذه الأمة الخيرة عيشة الرفض لكل ألوان الباطل والاصرار على التعلق بدولة الأنبياء والأئمة، بدولة الحق والعدل التي ناضل وجاهد من أجلها كل أبرار البشرية وأخيارها الصالحين).
الى ان يبين آلية النظام الاسلامي – من وجهة نظره – في الحفاظ على الحاكمية الدينية، حيث يقول:
(إن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، بمعنى أنها هي المصدر الذي يستمد منه الدستور وتشرع على ضوئه القوانين في الجمهورية الإسلامية، وذلك على النحو التالي:
أولاً ـ إن أحكام الشريعة الثابتة بوضوح فقهي مطلق تعتبر بقدر صلتها بالحياة الاجتماعية جزءاً ثابتاً في الدستور سواء نص عليه صريحاً في وثيقة الدستور أو لا.
ثانياً: إن أي موقف للشريعة يحتوي على أكثر من اجتهاد، يعتبر نطاق البدائل المتعددة من الاجتهاد المشروع دستورياً، ويظل اختيار البديل المعين من هذه البدائل موكولاً إلى السلطة التشريعية التي تمارسها الأمة على ضوء المصلحة العامة.
ثالثاً ـ في حالات عدم وجود موقف حاسم للشريعة من تحريم أو ايجاب، يكون للسلطة التشريعية التي تمثل الأمة أن تسن من القوانين ما تراه صالحاً، على أن لا يتعارض مع الدستور، وتسمى مجالات هذه القوانين بمنطقة الفراغ، وتشمل هذه المنطقة كل الحالات التي تركت الشريعة فيها للمكلف اختيار اتخاذ الموقف، فإن من حق السلطة التشريعية أن تفرض عليه موقفاً معيناً وفقاً لما تقدره من المصالح العامة، على أن لا يتعارض مع الدستور).

ثم يضيف:
(ان السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد أسندت ممارساتها إلى الأمة، فالأمة هي صاحبة الحق في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة التي يعينها الدستور، وهذا الحق حق استخلاف ورعاية مستمد من مصدر السلطات الحقيقي وهو الله تعالى. وبهذا ترتفع الأمة وهي تمارس السلطة إلى قمة شعورها بالمسؤولية لأنها تدرك بأنها تتصرف بوصفها خليفة لله في الأرض فحتى الأمة ليست هي صاحبة السلطان، وإنما هي المسؤولة أمام الله سبحانه وتعالى عن حمل الأمانة وأدائها {إنا عرضنا الامانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.
والأمة تحقق هذه الرعاية بالطرق التالية:
أولاً: يعود إلى الأمة انتخاب رئيس السلطة التنفيذية بعد أن يتم ترشيحه من المرجعية كما يأتي في الأمر الرابع، ويتولى الرئيس المنتخب بعد ذلك بنفسه تكوين أعضاء حكومته.
ثانياً: ينبثق عن الأمة بالانتخاب المباشرة، مجلس وهو مجلس أهل الحل والعقد. ويقوم هذا المجلس بالوظائف التالية:
أولاً ـ إقرار أعضاء الحكومة التي يشكلها رئيس السلطة التنفيذية لمساعدته في ممارسة السطلة.
ثانياً ـ تحديد أحد البدائل من الاجتهادات المشروعة.
ثالثاً ـ ملء منطقة الفراغ بتشريع قوانين مناسبة.
رابعاً ـ الاشراف على سير تطبيق الدستور والقوانين ومراقبة السلطة التنفيذية ومناقشتها).




الرد مع إقتباس