عرض مشاركة مفردة
قديم 01-07-2018, 04:39 AM
الصورة الرمزية لـ لواء الحسين
لواء الحسين لواء الحسين غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 15952

تاريخ التّسجيل: Feb 2005

المشاركات: 4,406

آخر تواجد: 11-09-2018 07:55 PM

الجنس: ذكر

الإقامة: الهي كفى بي عزا أن أكون لك عبدا , و كفى بي فخرا أن تكون لي ربا .


إن كنتم صادقين.

إن القرآن في حديثه عن الصدق يذكر له مراتب من مقام الصديقين والصديق وهذه المراتب ليس في قبالها الكذب الاصطلاحي، بل هي مراتب اشتدادية في نفس الصدق وقد أشرنا قبل إلى قوله تعالى {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً} حيث ذكرنا أن الله أصدق من سيد الكائنات وهذا لا يعني أنه كاذب ـ والعياذ بالله ـ فالاصدق دوام كلامه وسعته أكثر من الآخر، والامر الذي نريد التأكيد عليه أن مراتب الصدق لا يقابلها الكذب فالآية لا تدل على كذب الملائكة بل تشير إلى عدم واقعية ما حسبوه وتوهموه.
وهناك روايات تبين كيف الطريق إلى أن يكون الانسان من الصديقين وهو مقام أوسع من الصدق الخبري والمخبري، فالذي يكون أكثر علما وأكثر احاطة يكون أصدق من الاقل علما وذلك لان الاول يكون علمه محيطا والآخر أقل احاطة فتأتي علومه غير مطابقة، فالمقصود أن المراد هنا من الصدق الاحاطة وعدمها لا المطابقة للواقع وعدمها.

ونظير ذلك ما تصف الروايات بعض آيات القرآن أنها أصدق من آيات أخرى وأكثر احكاما وأكثر حقا،وهذا لا يقصد منه بطلان الآيات الاخرى بل يقصد منه أن تلك الآيات اكثر احاطة بالواقع فتكون أصدق وأحق وأحكم.

فالملائكة في هذه الآية يخبرون عن أحقيتهم وأهليتهم للخلافة في الارض حيث انهم أنبئوا عن استحقاق ذلك لمن تكون له العصمة العملية لا أنهم يخبرون عن واقع بل من باب المسائلة.

الإنباء: بناء على ما ذكرنا سابقا من أن استخدام الحق تعالى للالفاظ المختلفة ليس من باب التنوع اللفظي والنثر البلاغي، بل القرآن كتاب حقائق، وتغير اللفظ من موضع إلى آخر يدل على تغاير في المعنى الحقيقي المراد للحق تعالى.

فنلاحظ هنا أن الباري تعال أسند تعبيرين لهذه الاسماء أحدهما: وعلم آدم الاسماء كلها، والآخر: قوله للملائكة (أنبئوني) وأجابت الملائكة (لا علم لنا إلا ما علمتنا) فأمر آدم بانبائهم باسمائهم، فالارتباط بين الحق تعالى وآدم كان بالتعليم أما عندما أخبر آدم الملائكة كان بالانباء. وهذا التغاير يدل على أن الملائكة لم ينالوا العلم الحقيقي بهذه الاسماء.

والسر في هذا التغاير هو أن التعليم عياني حضوري، والانباء إخبار من وراء حجب الصور والمفاهيم وما شابه ذلك، فإضافة آدم مع ربه من نحو العلم الحضوري، وأما الاضافة بينه وبين الملائكة فهي اضافة انباء وهي درجة نازلة عن العلم، ومن القرائن على تلك المغايرة:
- أن الملائكة لو كانت قابلة لتعليم الاسماء لأصبحوا في الشرف سواء مع آدم، ولما كانت لآدم مزية عليهم فالملائكة لم يستحصلوا على ذلك العلم إلى آخر المطاف، خصوصا إذا لاحظنا أن الاهلية للخلافة غير منوطة بالاسبقية الزمانية للحصول على العلم بل الاهلية هي بالعلم وهي حاصلة لآدم.

- فاطلاع الملائكة لم يكن بالعلم اللدني ولو كان كذلك لما كانت حاجة لانباء آدم.

فالخلاصة أن الملائكة بعد إنباء آدم أصبح لديهم علما حصوليا بتلك المسميات.

غيب السماوات والأرض: ذكرنا في بحث الاسماء أن الاضافة في غيب السماوات هي اضافة لامية أي غيب للسماوات والارض، وقد جعل بعض العامة أن المراد بهذا الغيب هو ما كتمته الملائكة لكنه غير تام وذلك لأن قوله تعالى {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}(1) من عطف المغاير زيادة على الجملة السابقة إذ (ما تبدون) ليس من الغيب أصلا، وما كانت تكتمه هو أنها كانت ترى أنه لا يوجد من هو أقرب منها إلى الله كما يفهم من مفاضلتها ذواتها على مطلق من هو غيرها من المخلوقات، فليس هذا المراد من غيب السماوات والارض بل المراد منه أمر ليس بجزء من السماوات والارض.

ومقابل الاضافة اللامية التبعيضية أي خصوص غيب هو جزء من السماوات والارض وهو ينطبق عل الكونية المستقبلية لكن المورد ليس من هذه الموارد التي تكون الاضافة تبعيضية، وذلك لأنه مقام اظهار قدرته تعالى واحاطته وعجز الملائكة، وتمام العجز أن هذه الاسماء أمور غائبة عن العالم السماوي والارضي خارج محيط الكون،ومما يبعد معنى التبعيض وأن الغيب بمعنى المستقبل الذي هو جزء السماوات والارض أنه قد عرضهم على الملائكة فهي موجودات بالفعل لا مستقبلية، وهذا مما يعزز أيضا أن المراد غيب فعلي عن السماوات والارض، فإذن هي موجودات أحياء فعلية خارج إطار السماوات والارض.
أية السجود: وفيها موقفان يجب التأمل فيهما،أحدهما: أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم، والآخر هو إباء ابليس واستكباره وكونه من الكافرين.

أما الامر الاول وهو السجود ففيه عدة نقاط:

- أن التساؤل يثار عادة هل أن السجود لغير الله تعالى صحيح أم لا؟ وهذه مسألة كلامية فقهية نتعرض لبعض جوانبها ومن ثم نذكر ما يمكن استيحاؤه من الآية الكريمة.

ذهب بعض الفقهاء إلى أن السجود ذاتيه العبادة، فأينما وقع فهو عبادة فلا يجوز ايقاعه لغير الله تعالى لأنه هو المعبود حقيقة، ولذا يذهبون إلى تأويل ما ورد في القرآن الكريم من السجود لغير الله تعالى إلى أنها تحمل على مطلق الخضوع والخشوع لا اداء تلك الحركة المعينة، لأنه من المحال أن يأمر الله تعالى بعبادة من ليس أهلا للعبادة فهو شرك وقبيح، ويستشهدون بما ورد من الأثر عن النبي (صلى الله عليه وآله): "لو كنت أمرا أحدا بالسجود لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"، وهذا يعني عدم جواز الأمر بالسجود.

والجواب عنه: أن المستدل يستدل بوجهين أحدهما أن السجود ذاتيه العبادة، والآخر نهي الشارع عن السجود لغير الله.

أما الاول: فكون السجود -لو كان بمعنى الهيئة الجسمانية المخصوصة - ذاتية العبادة أول الكلام، بل أن السجود مظهر ومبرز للعبادة وفرق بين الأمرين،والشاهد على ذلك أن تلك الهيئة المعينة قد يوقعها الإنسان و مقصوده الرياضة أو الاستراحة أو أي أمر آخر، وهذا يدل على أن العبادية فيها متقومة بالقصد لا أن الهيئة متى وقعت كانت عبادة، وعليه نقول أن تلك الهيئة لو وقعت بقصد الاكرام والاحترام لا بقصد الخضوع العبادي فلا تكون عبادة، وقد مورس هذا النوع من التكريم والاحترام في الشعوب القديمة حيث كان يسجد للسلطان والملك كما في عهد النبي يوسف (عليه السلام)، ولم يكن في البين عبودية وهذا يدلل على أن تلك الهيئة ليست ماهيتها التكوينية العبادة، مضافا إلى أن أصحاب هذا الرأي لا يعتبرون الركوع عبادة مطلقا، ويجوّزون وقوعه لغير الله إذا كان القصد منه الاحترام والتكريم.
وبعبارة أدق أن الخضوع تارة عبودي وأخرى مطلق الاحترام والتكريم والتعظيم، والفارق بينهما أن الخضوع إن كان بقصد ان المخضوع له ذات واجبة الوجود بنفسه خالق متصف بجميع الكمالات بالذات فهو عبادة، وإن كان لا بقصد منتهى الخضوع ولا ان المخضوع له ذات مستقلة الوجود فلا يكون عبادة.

بل أن القبح يزول عن هذه الهيئة عندما يكون الآمر إلى هذا السجود هو الله عز وجل، بل يعد السجود لهذا الشخص هو منتهى الامتثال والخضوع لأوامر الله، بل هو منتهى الفناء والابتعاد عن أنانية الذات، والحق تعالى عندما يأمر بالسجود لا يكون أمرا بمعنى العبادة لغيره إذ أنه مستحيل، بل العبادة لله تعالى بتوسط الاحترام والخضوع لخليفته تعالى، وهذا ما توضحه كثير من الاخبار والآثار الواردة في ذيل السجود ليوسف (عليه السلام)، وفي آية {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ}(1)، إذ ليس المراد السجود لبيت موسى بل هو سجود لله وإكرام واحترام للشخص.
أما الوجه الثاني: فابتداء ليتنبه إلى أنه غير الوجه الاول إذ أنه يتم ولو فرض التنزل بأن السجود ليس ذاتيه العبادة فهو منهي عنه من قبل الشارع ايقاعه لغير الله.وبذلك لا نحتاج إلى تأويل آيات السجود في القرآن، بل بأن السجود بهذا المعنى لم يكن محرما في شريعة يوسف وموسى عليهما السلام، وعلى كل حال نقول أن السجود بمعنى العبادة لغير الله منهي عنه من قبل الشارع.

أما الآية الكريمة التي نحن بصددها فإنه - على ما ذكرنا - لا حاجة لتأويل السجود إلى معنى الخضوع والاحترام وما معناه،ولا حاجة إلى القول أن السجود على معناه الحقيقي ولا مانع منه لأنه لم يكن محرما إلا في شريعة الخاتم، لا حاجة إلى كل هذا بل نقول ان السجود لا مانع منه حيث لم يوقع بقصد العبادة.

مضافا إلى أنه لو كان منهيا عنه فيمكن أن يأمر الله تعالى به في هذا الموضع ويكون تخصيصا للنهي العام عن السجود لغير الله ولا مانع من تخصيص العام - على الوجه الثاني - حيث أن السجود كان تكريما لآدم، وقد أشارت الروايات من الفريقين إلى أن ابليس كان ومازال يستطيع التوبة بالسجود لآدم فلو سجد لتاب الله عليه، وهذا من سعة حلمه تعالى بعباده إلا أن ابليس أخذته العزة بالاثم فأبى عن السجود.

2 ـ ومن أجل الوصول إلى المعنى المراد من السجود في الآيات الكريمة نستعرض عدداً من النقاط:

أ ـ نعيد التذكير بأن القرآن كتاب حقائق فعندما نلاحظ لفظ كرر عدة مرات فلا يمكن القول أن التعبير به أمر أدبي بل يكون إشارة إلى ماهية معينة أراد الحق تعالى إفهامها لخلقه وهذا هو ما ذكرناه سابقا في مقدمة البحث.

ب ـ عبر في آية 29 من سورة الحجر {فَقَعُوا} حيث لم يكتف بذكر مادة السجود بل عبر بالوقوع الفوري وهذا فيه نوع من التشديد والتأكيد لمعنى الخضوع والتعظيم.
ج ـ أن حادثة السجود هي الحلقة المتصلة بين هذه السور السبعة فقد كررت في كل الآيات بخلاف بقية مقاطع قصة آدم.

د ـ أن لفظ السجود ومشتقاته تكرر كثيرا حتى في الآية الواحدة مثلا في سورة الحجر كررت 5مرات وفي الاعراف 4مرات وفي الاسراء وص كرر 3مرات،وهذا التكرار لهذه اللفظة لابد له من وجه لا أنه مجرد التحسين اللفظي والأدبي، بل يدل على محورية هذه الماهية وجعلها فيصلا بين الطاعة والمعصية.

هـ ـ في بعض الآيات ورد التأكيد على أن الامر بالسجود كان لجميع الملائكة ولم يكتف بدلالة الجمع المحلى بأل (الملائكة) بل أردف بالتأكيد بـ (أجمعون) و(كلهم) للدلالة على الاستغراق.

و ـ إنه عندما رفض ابليس السجود لآدم عبر عن ذلك {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} أي أن منشأ عصيان إبليس هو الإباء والاستكبار وفي مقابله طاعة الملائكة الذي يقابل الاباء والاستكبار وهو الانقياد والمتابعة والخضوع، فمعنى السجود المأمور به فيه زيادة على معنى الاحترام والتكريم بل هو اظهار لمطلق الانقياد (غير العبادي) لآدم، و ابليس لم يستكبر عن عبادة الله في الصورة بل استكبر عن أمر الله بالانقياد لآدم حيث زعم أن آدم أقل مرتبة منه.

ز ـ أن قوله تعالى في خطابه لابليس {مَالَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} منطو على ظريفة لا تحصل من التعبير بلفظ الملائكة أو الضمير ما منعك ان تكون معهم إذ وصفهم بالساجدين لبيان حالة الانقياد وهو السجود.

ح ـ نسبة آدم لله جل وعلا {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} فيها تشريف لأدم وأن خلقته وتسويته مباشرة من الله من دون توسيط الملائكة.ط ـ يظهر من بعض الآيات الحاكية لهذه الواقعة أن الامر بالسجود وقع مباشرة بعد خلقة آدم من دون وجود تراخي {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} وهذا يدل على التلازم والفورية وأن لا تمر فترة من بعد الخلقة من دون انقياد الملائكة به.
ي ـ أن تكرار هذا المقطع بالذات من دون بقية المقاطع فيه دلالة مؤكدة على أن ما جرى من الواقعة هو من باب المقدمة لهذا الأمر، وأن كل ما مضى كان اعداداً لها وبتعبير آخر أن المحاورة من إخبار الملائكة بالخلق وغيره كله جرى تمهيدا وبيانا لمقام هذا المخلوق الجديد حتى لا يكون الامر بالسجود مفاجئا للملائكة ولا تنفر منه ذواتهم.

فهذه 10 قرائن وملاحظات عامة على التعابير الواردة في هذا المقطع، أما ما يمكن استظهاره من المعاني في هذا الشأن فهو:

1 ـ كما ان انباء آدم للملائكة تعبير عن الهداية الا رائية وأنه استكمال لهم لولاه لما حصل لهم ذلك العلم، فإن السجود لآدم هو تعبير عن الهداية الايصالية والمتابعة العملية التي بدونها لا يحصل لهم أي كمال،وهذا الانقياد لم يكن لمجرد مخلوق بل إنما هو لمقام الخلافة الذي جعله الله تعالى لآدم فلازم مقام الخلافة عند الله هو متابعة وانقياد الملائكة والجن (بناء على القول المشهور ان ابليس من الجن) وهذا هو مفاد الامامة وهي المتابعة العملية والعلمية والهداية الا رائية والايصالية، ويثبت بذلك أن شؤون الامامة ليست للناس فقط وإنما هي تشمل الملائكة والجن.

2 ـ أن حدود إمامة آدم لا تقتصر على البشر بل تشمل الملائكة والجن أيضا.

3 ـ أن القرآن الكريم قد أثبت للملائكة وظائف وشؤون متعدد منها الحفظة، انزال الذكر، قبض الأرواح، نشر الرياح، اللواقح، المقسمات، نصرة الرسل وتأييدهم، تسبيح الله.....
ونتيجة أن علمهم كان من آدم وأن عليهم متابعة آدم والانقياد له وأنه حاز مقام الخلافة فهذه كلها تدل على أن لآدم الولاية التكوينية على الملائكة، وتكون شؤون الملائكة كلها تحت يده وفي تصرفه.

4 ـ أن خلافة آدم ليست خلافة مقيدة بل خلافة مطلقة ونستطيع أن نطلق عليها أنها خلافة اسمائية لله عز وجل وذلك لأنه بالعلم بالاسماء الشاعرة الحية العاقلة استحق مقام الخلافة، وأسماء الله لها تأثير في عالم الخلقة حيث أنها حقائق حية واقعية مهيمنة،حيث أن أفعال الله تعرف باسمائه وهي آثار وتوابع اسمائه فتكون بذلك كل القدرات الموجودة في عالم التكوين محاطة بها وهو ذلك المقام.

وبالطبع ليس هذا الثبوت بنحو التفويض الباطل العزلي بل هو اقدار من الله سبحانه وتعالى في عين ثبوت القدرة المستقلة الازلية لله عز وجل.

الأمر الثاني: إباء ابليس إن من المسلم به أن ابليس كان في جمع الملائكة عندما خاطبهم الله وأمرهم بالسجود لآدم، أما أن ابليس هل هو من الجن أو الملائكة فقد كان موضع خلاف وتعبير القرآن أنه من الجن {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} وهذا وإن كان له تفسيران أنه كان من الملائكة فصار من الجن وأن (كان) هنا بمعنى صار، أو أن يقال أنه من الجن وإنما تواجد في جمع الملائكة لأن الله جل وعلا، كان يكلفه بوظائف الملائكة وهذا نوع تشريف لابليس، والروايات الواردة تشير إلى أن لابليس قبل الامتحان مقاما رفيعا ويدل عليه انضمامه في الخطاب الموجه للملائكة، كما أن تشريفه بالخطاب الالهي يدلل على أنه كان من الموحدين، والمؤمنين بالله وبعالم الغيب والمعاد {أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} وأما انباء آدم للملائكة فقد كان حاضرا بمقتضى تواجده معهم. ومقتضى ذلك أن ابليس استحق الكفر لأنه لم يؤمن بالامامة،مقام خلافة الله، وبالتحديد لعدم طاعته لله عز وجل في الائتمام والانقياد لمن جعله الله اماما، ولم يذكر لابليس فعلا وعصيانا آخر استحق به هذا العقاب، وكانت النتيجة أن مصير ابليس هو جهنم وأن كل ما عمله قد ذهب سدى وهباء.
فهذا يثبت أحد معتقدات الامامية وهي ان النجاة مرهونة بالائتمام بخليفة الله في ارضه، وقد وصف ابليس بالكفر وهو على درجات، و يراد منه هاهنا الكفر الاصطلاحي الذي يقابل أصل الايمان ويستوجب الخلود في النار.

والكفر على قسمين: أحدهما بحسب الواقع دون الظاهر، والآخر بحسب الواقع والظاهر معا، والظاهري هو ما عليه الكفار الآن، واما الأول فهو ما نشاهده من المقصرين الذين اطلعوا على الادلة الحقة إلا انهم لم يؤمنوا {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}(1)، فهؤلاء وإن كانوا في الظاهر غير كافرين إلا أنهم بحسب الواقع كافرون، ويعاملون في الآخرة على طبق الواقع الحقيقي،وأما في هذه النشأة والدار فيعاملون معاملة ظاهر الاسلام، فالامامة مرتبة من مراتب التوحيد والايمان فهي توحيد في الطاعة كما ذكرنا ذلك مرارا في الفصل الاول،وبالتعبير الوارد في هذه الواقعة رأينا أن الكفر أطلق في قبال الائتمام كما اطلق في مقابل الايمان والتوحيد.


الرد مع إقتباس