منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
موقع يا حسين  
موقع يا حسين
الصفحة الرئيسية لموقع يا حسين   قسم الفيديو في موقع يا حسين   قسم القرآن الكريم (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم اللطميات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم مجالس العزاء (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم الأدعية والزيارات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم المدائح الإسلامية (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم البرامج الشيعية القابلة للتحميل في موقع يا حسين
العودة   منتديات يا حسين > الحوار الإسلامي > عقائد، سيرة وتاريخ
اسم المستخدم
كلمة المرور
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 13-07-2018, 07:24 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

حبّ الدنيا

حبّ الدنيا



أهداف الدرس:
- بيان حقيقة الدنيا ومنشأ الركون إليها.
- بيان أن الركون إلى الدنيا من مثبّطات الجهاد الأساسية.
- التعرّف على سبل الوقاية التي يمكن أن تقي الإنسان من هذه الفتنة.



143



المشكلة في حبّ الدنيا:
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾1. وفي الحديث المشهور المرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام: "حب الدنيا رأس كل خطيئة"2.

تبيّن هذه النصوص الشريفة بشكل واضح أن الاكتفاء والرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان إليها يمكن أن يكون سبباً للكثير من المشاكل والتي منها دخول النار والعياذ بالله، لأن الرضا بالحياة الدنيا يكشف عن غفلة الإنسان عن الله والحياة الحقيقيّة في الآخرة.



145



وما العذاب في الآخرة إلا بسبب هذه الغفلة. فالآية لم تذمّ الذين يعيشون في الدنيا، يأكلون ويشربون ويتمتّعون، بل الذين تعلّقت قلوبهم بالدنيا واطمأنّوا بها، واختاروها بدلاً عن رضا الله والحياة الآخرة وتشبّثوا بها حتى نسوا الله والدار الآخرة، ﴿الَّذينَ اتَّخَذُوا دينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾3. والمجاهد في سبيل الله هدفه الأول والأخير هو الله سبحانه وتعالى والحياة الخالدة في جنان القرب عند المليك المقتدر، حيث لا تعب ولا نصب، بل روح وريحان، سرور لا ينتهي وحبور دائم.

لذا فإن كل ما يشغل المجاهد عن هدفه الأصلي هو عنده مذموم ولا قيمة له، بل و لا يستحق منه أدنى التفاتة وانتباه. من هنا كانت الدنيا عند المجاهد لا تساوي عنده عفطة عنز كما هي عند سيّده ومولاه إمام المجاهدين علي عليه السلام وهو القائل: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، و ما أخذ الله سبحانه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم و لا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها و لألفيتم دنياكم هذه عندي أزهد من عفطة عنز"4. وهو سلام الله عليه القائل أيضاً: "يا دنيا أبي تعرّضت أم إليّ تشوّقت هيهات هيهات غرّي غيري"5.

حب الدنيا في الآيات والروايات:
لقد استفاضت الآيات والروايات في الحديث عن الدنيا والتحذير من مغبّة التعلّق بها وحبّها والاكتفاء بها، لأن ذلك يحرف الإنسان عن جادّة الحق وصراطه



146



المستقيم، ومن هذه الأدلّة ما يلي:
قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْكافِرينَ مِنْ عَذابٍ شَديدٍ الَّذينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ في‏ ضَلالٍ بَعيدٍ﴾. 6
وقوله عزّ اسمه: ﴿أُولئِكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ 7
وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحيمَ هِيَ الْمَأْوى﴾،8 وقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾9.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾،10 وقوله تعالى ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾11. وفي هذا إشارة واضحة إلى أن ما لا يتوصّل به من أمور الدنيا إلى سعادة الآخرة أمور وهمية عديمة النفع وسريعة الزوال، وهي لعبٌ يُتعب الناس به أنفسهم إتعاب الصبيان في الملاعب من غير فائدة، ولهذا فهي لهو يلهون به أنفسهم عمّا يهمّهم، وهذه الحالة ترافق الإنسان في مراحل حياته المختلفة لكنّه كلما ارتقى من مرحلة عمرية إلى أخرى أدرك أن تعلّقه في الدنيا كان وهماً ولعباً.

وفي الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خبر المعراج قال: "قال الله تبارك وتعالى: يا أحمد لو صلّى العبد صلاة أهل السماء



147



والأرض ويصوم صيام أهل السماء والأرض ويطوي عن الطعام مثل الملائكة ولبس لباس العابدين ثم أرى في قلبه من حب الدنيا ذرّة أو سمعتها أو رئاستها أو صيتها أو زينتها لا يجاورني في داري ولأَنزعنّ من قلبه محبتي ولأُظلمنّ قلبه حتّى ينساني ولا أذيقه حلاوة محبتي"12.

وعن الصّادقِ عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾13 قال: "هو القلب الذي سلِم من حب الدنيا"14.
وعن الإمام علي عليه السلام قال: "إن كنتم تحبّون الله فأخرجوا من قلوبكم حب الدنيا"15، وعنه عليه السلام أيضاً أنه قال: "إنك لن تلقى الله سبحانه بعمل أضرّ عليك من حب الدنيا"16.

وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "في مناجاة موسى عليه السلام: يا موسى إن الدنيا دار عقوبة، عاقبتُ فيها آدم عند خطيئته، وجعلتها ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لي. يا موسى إن عبادي الصالحين زهدوا في الدنيا بقدر علمهم، وسائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم، وما من أحد عظّمها فقرّت عيناه فيها، ولم يحقّرها أحد إلا انتفع بها"17.



148



منشأ حبّ الدنيا:
منشأ حب الدنيا والتعلّق بها والاستغراق في ملذّاتها وشهواتها يعود إلى أمرين أساسيّين:
الأول: توهّم الإنسان أن كماله وسعادته وراحته في هذه الحياة الدنيا وشهواتها من دون إعطاء أهميّة لرضا الله ولقائه.
الثاني: جهل الإنسان بحقيقة الحياة الدنيا الفانية، وبدورها الحقيقيّ والمرحلي في حياة الإنسان، وأنها دار ممرٍّ وامتحان وتكليف، دون أن يخطر في بال هذا المسكين أن الدنيا فانية وزائلة لا محالة كما أخبر الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ118، وأنّها لم تدم لغيره حتى تبقى له. فكيف يجد الإنسان سعادته في أمر فان؟! وكيف يعلّق آماله على شيء زائل ووضيع؟! فكلّ من يركن إلى الحياة الدنيا وينجذب إليها ولا يتورّع عن الدخول في حرامها ويسرف في حلالها لن يلبث أن يقع في المعصية التي إن أصرّ عليها أهلكته لا محالة. لذا كان بغض الدنيا بمعنى عدم الركون إليها والاغترار بها هو من أفضل الأعمال كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ما من عمل أَفضل عند اللَّه بعد معرفة اللَّه ومعرفة رسوله وأَهل بيته من بغض الدنيا"19.

الدنيا مزرعة الآخرة:
إن الحياة الحقيقيّة والأبديّة للإنسان ميسّرة في عالم الآخرة فقط، أما الحياة الدنيا فمتاعها قليل وهي فانية وزائلة ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَليلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ



149



لِمَنِ اتَّقى﴾20, ولكنّ هذا لا يعني أن لا قيمة لهذه الحياة الدنيا.

فإذا عرف الإنسان حقيقة الحياة الدنيا ودورها وأدرك أنها مقدّمة للحياة الحقيقيّة الخالدة في عالم الآخرة، والتفت إلى أن اللحظات القصيرة التي جعلها الله تعالى له في الدنيا ستكون مفتاحاً لكنوزه الأخرويّة الأبديّة، وإذا فهم ماهيّة العلاقة بين الدنيا والآخرة وتأثير حياته الدنيويّة على حياته الأخرويّة الخالدة، وعرف أنه لا بدّ من الزراعة هنا حتى يتمّ الحصاد هناك كما قال عيسى عليه السلام: "بحقٍّ أقول لكم إن الدنيا خلقت مزرعة يزرع فيها العباد الحلو والمرّ والشر"21، وأنّ أولي النعمة هناك هم الذين أنجزوا أعمالاً هنا وسعوا وجدّوا من أجل تلك الحياة وتحصيل السعادة فيها. عندها سوف يدرك الإنسانُ أنَّ للدنيا دوراً وتأثيراً إيجابياً جدّاً في ارتقائه وتكامله، فعن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: "إنّما الدنيا دار ممرّ والآخرة دار مستقرّ، فخذوا من ممرّكم لمستقرّكم"22. والإنسان الذي يتمتّع بهذه المعرفة لن يعادي الحياة الدنيا لأنه سيدرك هذه الحقيقة، وهي أنّه كلّما استمرّ وجوده في الدنيا أكثر كان قادراً على التكامل أكثر، وإنجاز المزيد من الأعمال الصالحة وبالتالي بلوغ مقامات أخرويّة أسمى.

فالروايات والأدعية المرويّة عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام والتي تتحدّث عن طلبهم طول العمر من الله قائمة على هذه الرؤية والاستنتاج المذكور. لقد كانوا على علم بأن الحياة الدنيا يمكن أن تكون وسيلة لنيل السعادة الأخرويّة. والتعابير الواردة في الروايات نظير "الدنيا مزرعة الآخرة"23 تشير إلى هذه الحقيقة وهي أن على الإنسان أن يعمل في الدنيا لكي ينال السعادة الدائمة في



150



الآخرة. فهذه الحياة مرحلة لا بدّ أن نجتازها ووسيلة ينبغي أن نستخدمها في مجالها وبصورة صحيحة، وأداة يجب الاستفادة منها بدقّة كي ننال سعادتنا والحياة اللائقة بنا في العالم الخالد. وفي هذه الحالة فقط يرغب الإنسان أن تطول فترة حياته الدنيويّة كي يوفّق للمزيد من الأعمال الصالحة. لذا وحدهم الشهداء يتمنّون الرجوع إلى الدنيا للقتال والجهاد لما يرونه من ثواب الله وفضله. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما من أحد يدخل الجنّة فيتمنّى أن يخرج منها إلا الشّهيد فإنّه يتمنّى أن يرجع فَيقتل عشر مرّات ممّا يرى من كرامة الله"‏24.

أما تمنّي الموت من قبل أولياء الله وشهدائه كما قال مولى الموحّدين علي بن أبي طالب عليه السلام: "والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه"25 فهو من أجل لقاء محبوبهم بعد الموت حيث فصلتهم الحياة المادّية عنه، وبالموت يرتفع هذا المانع وينالون لقاء محبوبهم. وهذا لا يتنافى مع طلبهم البقاء والدوام في هذا العالم كما ذكرنا، فهم من جهة يطلبون بقاءهم لكي يستعدّوا بنحوٍ أفضل للّقاء، ويتمنّون الموت من جهة أخرى شوقاً للقاء محبوبهم. فالمقصود الأصلي للإنسان هو النعم الأخرويّة والكرامات الإلهية ورضا الله تعالى.

الدنيا الممدوحة والدنيا المذمومة:
في الحديث المرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "حب الدنيا رأس كل خطيئة"26، ولكن ينبغي التنبيه إلى أنه ليس المقصود من حب الدنيا والتعلّق بها، حبّ الطبيعة من الجبال والأنهار وغيرها أو حبّ الناس، بل المراد بحبّ الدنيا



151



تعلّق القلب بهذه الأمور بحيث تشكّل عائقاً أمام ارتقاء الإنسان وسفره نحو الآخرة والحق. وبشكل أدقّ إن تعلّق القلب بملذّات الدنيا وشهواتها وأموالها وزينتها الى الحدّ الذي يحول دون توجّه عقل الإنسان وقلبه وفكره وعمله إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى الحدّ الذي يدفعه إلى الوقوع في الحرام ومن دون اعتبار للوقفة في المحكمة الإلهية هو الأمر القبيح والمذموم، وهو الذي قالت عنه الروايات الشريفة أنه رأسُ كلّ ذنبٍ وخطيئة، ففي الحديث أنَّه ممّا وَعظ به الله تعالى عيسى عليه السلام: " يا عيسى.. واعلم أَن رأس كل خطيئة وذنب هو حب الدنيا فلا تحبها فإني لا أحبّها"27. وذلك لأن الدنيا والآخرة لا يجتمعان، وحبها وحب الله في القلب لا يلتقيان كما جاء عن مولى الموحّدين عليه السلام أنه قال: "كما أَن الشمس والليل لا يجتمعان كذلك حب اللَّه وحب الدنيا لا يجتمعان"28.

وإذا أردنا أن نختصر الأمر نقول أن الدنيا في الحقيقة دنياءان: دنيا ممدوحة ودنيا مذمومة، كما قال إمامنا السجاد عليه السلام: "الدنيا دنياءان: دنيا بلاغ، ودنيا ملعونة"29 وليس طلب مطلق الدنيا وطيّباتها حراماً ومذموماً ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ اللَّهِ الَّتي‏ أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾30.

ذات يوم جاء رجل إلى الإمام الصادق عليه السلام وقال له: "إنّا لنطلب الدنيا ونحبّ أن نؤتاها، فقال: تحب أن تصنع بها ماذا؟ قال: أعود بها على نفسي وعيالي، وأصل بها وأتصدّق، وأحجّ وأعتمر، فقال أبو عبد الله



152



عليه السلام: ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة"31.

وورد في نهج البلاغة أن شخصاً ذمّ الدنيا في محضر الإمام علي عليه السلام فعارضه الإمام عليه السلام بشدّة قائلاً: "أيها الذامّ للدنيا، المغترّ بغرورها، المخدوع بأباطيلها، أتغترّ بالدنيا ثم تذمّها؟ - إلى أن قال - إن الدنيا دار صدق لمن صدّقها ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، ودار موعظة لمن اتّعظ بها، مسجد أحباء الله، ومصلّى ملائكة الله ومهبط وحي الله ومتجر أولياء الله..."32.

فالحياة الدنيا بنفسها غير مذمومة بل إن علاقة الإنسان بها وانخداعه واغتراره بها وغفلته عن الآخرة وانشغاله بالدنيا إلى الحدّ الذي ينسى معه الله تعالى ولقاءه هو المذموم. فالذمّ يتوجّه أوّلاً إلى سلوك الإنسان وعلاقته بالدنيا. هذه العلاقة التي قد تقوده إلى الوقوع في الحرام أو الإسراف في طلب حلال الدنيا دون حسيب أو رقيب، ودون الرجوع إلى الحدود والضّوابط الشرعيّة والأحكام الإلهية، والله تعالى هو القائل في كتابه الكريم: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفينَ﴾33، ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبي‏ وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبي‏ فَقَدْ هَوى﴾34.

‏فإن نقطة الانحراف الأساس والتي تنشأ منها كلّ العيوب هي الإفراط في اهتمام الإنسان بالدنيا وتعلّق قلبه بها وابتغاؤها بصورة مستقلّة وجعلها المنتهى والهدف.



153



علاج حب الدنيا:
يجب على الإنسان المجاهد أن يحرص وبكلّ قواه على نبذ كل تعلّق له بالدنيا، لأنَّ القليل من هذا التعلّق المحرّم ربّما يؤدّي به إلى الحرمان والعذاب الأليم ولعنة الاستبدال، يقول تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾35.

ولك أنْ تُلاحظ مدى دقّة كلمة ﴿اثَّاقلتم﴾ في الخطاب القرآني، إذ أن التعلّق بالدنيا دون الحياة الأخرى الأصيلة يثقل كاهل الإنسان ويعمي بصيرته فيرضى بما هو زائل وتافه أمام الدائم الأبدي! ولاحظ أيضاً أن الخطاب موجّه إلى خصوص المجاهدين، وهو صريح في بيان مراده من تعرية حقيقة الدنيا أمام المجاهد ليسهل عليه ترك تعلقه المدمر بها. والسبيل إلى ذلك من خلال ثلاثة أمور:
الأول: أن يعرف أن الدنيا ليست هي الهدف ولا الغاية، وأن السعادة فيها وضيعة وزائلة وغير باقية أصلاً ﴿وَما أُوتيتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى‏ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾36.

روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه رأى جابر بن عبد الله وقد تنفّس الصعداء فقال عليه السلام: "يا جابر على ما تنفسك.. أعلى الدنيا؟ فقال جابر: نعم. فقال له الإمام: يا جابر ملاذ الدنيا سبعة: المأكول والمشروب، والملبوس، والمنكوح، والمركوب، والمشموم، والمسموع. فألذّ المأكولات العسل وهو بصق ذبابة. وأحلى المشروبات الماء وكفى



154



بإباحته وسباحته على وجه الأرض. وأعلى الملبوسات الديباج وهو من لعاب دود. وأعلى المنكوحات النساء، وهو مبال في مبال، وإنما يراد أحسن ما في المرأة أقبح ما فيها. وأعلى المركوبات الخيل وهو قواتل. وأجلّ المشمومات المسك وهو دم من سرّة دابة37.

وأجلّ المسموعات الغناء والترنم وهم إثم. فما هذه صفته لم يتنفّس عليه عاقل!! قال جابر بن عبد الله: فوالله ما خطرت الدنيا بعدها على قلبي"38.

الثاني: على الإنسان العاقل أن يتذكّر الموت دائماً، ويعتبر منه، ويحدّث نفسه به بالليل والنهار، لأنه أبلغ حقيقة وأقوى برهان على أن الإنسان لم يُخلق لهذه الحياة الدنيا، ولا للبقاء فيها. سأل أحدهم الإمام الباقر عليه السلام: "حدّثني بما أَنتفع به فقال: يا أَبا عبيدة أَكثر ذكر الموت فإنه لم يكثر إنسان ذكر الموت إلا زهد في الدنيا".

ثالثاً: على المجاهد أن يصحّح نظرته إلى الدنيا ويدرك أن حياته ليست محصورة بهذه الحياة، بل هناك حياة أخرى خالدة وراءها. وأن يكتشف العلاقة الواقعيّة بين الدنيا والآخرة، من خلال المقارنة بينهما ليدرك أن علاقة الدنيا بالآخرة هي علاقة الطريق بالهدف، أو الوسيلة بالغاية، فالدنيا "دار ممرّ لا دار مقر"39 كما قال مولى الموحّدين علي بن أبي طالب عليه السلام. أمّا لو نظر إليها نظر إعجاب وافتتان بزينتها واتّخذها هدفاً نهائيّاً له، فسوف تكون رؤيته الخاطئة هذه منشأً للكثير من الأخطاء الفكريّة والسلوكيّة في المستقبل، لأنه اتّخذ الوسيلة هدفاً والطريق مقصداً. إن حال صاحب هذه الرؤية حال من يوفّر



155



مستلزمات السفر إلى بلد ما لأداء عمل ما ضروري، وفي أثناء الطريق ينجذب إلى الخُضرة والمشاهد الجميلة حتى ينسى هدفه الأساس من الرحلة.

الرابع: الزهد، فالذين يزهدون في الدنيا، لا يتخلّفون أبداً عن الجهاد. يقول الإمام علي عليه السلام: "من زهد في الدنيا أعتق نفسه، وأرضى ربه"40. وحقيقة الزهد يوضحها القرآن الكريم بقوله تعالى ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾41. فالمجاهد لا بّد وأن لا يتأثر ولا يعير اهتماماً لأعراض الدنيا الفانية، سواء ما خسر منها أو ما سيحصل عليه. فهو يتعامل مع الدنيا من موقع القوة، أي من موقع المعرفة بحقيقتها والعالِم بحدودها، ولذا فهو لا يمكنه أن يتمسّك ويتعلّق بشيء منها مقابل طاعة الله تعالى. وهذه المعرفة والقوة، هي بوابة الحرية الحقيقية للإنسان المجاهد الذي يأبى الخضوع للاستكبار والظلم والتعدّي، وفي ذات الوقت فإنَّهُ يأبى الخضوع للدنيا وكلِّ زينتها الآنية.



156




المفاهيم الرئيسية



1- الاكتفاء والرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان إليها يمكن أن يكون سبباً للكثير من المشاكل والتي منها دخول النار والعياذ بالله، لأن ذلك يكشف عن غفلة الإنسان عن الله.
2- منشأ حب الدنيا أمران: الأول توهّم الإنسان أن كماله وسعادته وراحته فيها. والثاني: جهل الإنسان بحقيقة الحياة الدنيا الفانية، وبدورها الحقيقيّ.

3- إنّ الدنيا في الحقيقة دنياءان: دنيا ممدوحة ودنيا مذمومة، ما قال السجاد عليه السلام: "الدنيا دنياءان: دنيا بلاغ، ودنيا ملعونة".
4- إن طلب الدنيا وطيّباتها ليس حراماً ومذموماً على نحو الإطلاق، يقول الله تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ اللَّهِ الَّتي‏ أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ ولكن المشكلة هي في التعلّق القلبي بها الذي ينسي الآخرة ويجعل الإنسان غافلاً عنها.

5- يجب على الإنسان المجاهد أن يحرص وبكلّ قواه على نبذ كل تعلّق له بالدنيا، فالقليل من هذا التعلّق المحرّم يؤدّي به إلى الحرمان والعذاب الأليم ولعنة الاستبدال، يقول تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾.

6- إنّ تعرية حقيقة الدّنيا أمام المجاهد تسهّل عليه ترك تعلّقه بها. والسّبيل إلى ذلك من خلال ثلاثة أمور:
أولاً: أن يعرف أنّ الدّنيا ليست هي الهدف ولا الغاية.
ثانياً: أن يتذكّر الموت دائماً، ويعتبر منه، ويحدِّث نفسه به بالليل والنهار.
ثالثاً: أن يصحّح نظرته إلى الدنيا ويدرك أن حياته ليست محصورة بهذه الحياة، بل هناك حياة أخرى خالدة وراءها.




هوامش



1- يونس، 7-8.

2- وسائل الشيعة، ج16، ص9.

3- الأعراف،51,

4- غرر الحكم، ص121.

5- بحار الأنوار،ج33،ص274.

6- إبراهيم، 2-3.

7- البقرة، 86.

8- النّازعات، 37-39.

9- الأعلى، 16-17.

10- الأنعام، 32.

11- آل عمران، 185.

12- مستدرك الوسائل، ج12، ص36.

13- الشعراء، 89.

14- مستدرك الوسائل، ج12، ص40.

15- مستدرك الوسائل، ج12، ص40

16- م.ن.

17- الكافي، ج2، ص 317

18- الرحمن، 26.

19- مستدرك الوسائل، ج12، ص36.

20- النساء، 77.

21- بحار الأنوار، ج14،ص 312.

22- غرر الحكم، ص 149.

23- عوالي‏ اللآلي، ج1، ص267.

24- مستدرك الوسائل، ج11، ص13.

25- بحار الأنوار، ج28، ص234.

26- وسائل الشيعة، ج16، ص9.

27- الكافي، ج8، ص131.

28- مستدرك الوسائل، ج12، ص 42

29- الكافي، ج2، ص131.

30- الأعراف، 32.

31- أصول الكافي، ج5،، ص72.

32- بحار الأنوار، ج70، ص 100.

33- الأعراف، 31.

34- طه، 81.

35- التوبة، 38-39.

36- القصص، 60.

37- بحار الأنوار، ج75، ص11.

38- الكافي، ج2، ص131.

39- ميزان الحكمة، ج2، ص919.

40- عيون الحكم والمواعظ، ص462.

41- الحديد، 23.

الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع

يمكن للزوار التعليق أيضاً وتظهر مشاركاتهم بعد مراجعتها



عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:
 
بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا بإمكانك إضافة موضوع جديد
بإمكانك إضافة مشاركات جديدة
لا بإمكانك إضافة مرفقات
لا بإمكانك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع :


جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 01:06 PM ] .
 

تصميم وإستضافة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net

E-mail : yahosein@yahosein.com - إتصل بنا - سجل الزوار

Powered by vBulletin